.

للمعرفة القبلة وأوقات الصلاة

 


 

 

.



مقالات "د. محمود عباس"




K.B.X..10.12.12

مؤتمر العرب وتركيا حضور لنشر ثقافة موبوءة 4 -4+ 3+2


mamokurda@gmail.com

2- من المنطق إلى الانتهازية

يستمد السيد عزمي بشارة، وكان المسؤول الأول عن المؤتمر، مفاهيمه وخططه من البنية الثقافية التي نشرتها الأحزاب العروبية العنصرية، ذات الإبعاد الإيديولوجية الملغية للأخر، ومن الخلفية الفكرية التي استقطبها من ماهية دولة إسرائيل، الدولة الدينية القومية العلمانية المشتركة، مع تناس مخطط لجانبها العلماني، وهي الفكرة التي ينقب عنها، ويعمل على تطبيقها، وهو بناء دول عربية قومية دينية، ركيزتها العنصر العربي مع المذهب السني التجسيدي، لكنه يحاول أن يحرفها من تطرفها المرفوض من الدول الكبرى، والمناهضة للإرهاب، لذلك يبحث في نموذج حكومة حزب العدالة والتنمية، ليدمجها مع مفهوم البعث القومي، رغم الاختلاف والتضارب بين الصوفية التركية والعلمانية البعثية، والتي لدراية بها يبقي المجال مفتوحاً لمحاورات عديدة لإيجاد بديل آخر قريب من المذهب السني التجسيدي، ليس الوهابي.
تخلل المؤتمر حينذاك محاضرات قيمة، كان بالإمكان الاستفادة منهم في المجالات الاقتصادية والعلاقات الدولية، فقد عرض بعض الاختصاصيين أراء وخطط لمستقبل الدول العربية عامة وللدول المجاورة لتركيا بشكل خاص، ومن بينهم الأستاذ سمير عيطه، وعبدالمجيد عطار وعصام الجلبي، وعبدالوهاب القصاب وغيرهم، كما قدم البعض تحليلات تاريخية مغايرة للمألوف حول تركيا العثمانية والحاضرة أمثال الدكتور وجيه كوثراني والدكتور محمد نورالدين والدكتورة هدى حوا، والدكتورة وصال العزاوي في بعضه وغيرهم، بحث البعض منهم في المفاهيم السابقة حول الحكم العثماني، ونقض البعض منهم مصطلح النير العثماني، كما طلب البعض إلغاء الصفة الاستعمارية عنها، وتبيانها على إنه كان حكم إسلامي بشكل عام، والبعض من المحاضرين المنطقيين كانوا يبحثون في حواراتهم عن الصفة العلمية والأبعاد التي تؤدي إلى التقارب السياسي الاقتصادي العام والتي يمكن أن تكون بوابة لشرق إسلامي متطور.
بعض الأبحاث والمحاضرات كانت شيقة ومتنوعة، لكن غاية المؤتمر كانت أبعد من الطرح العلمي في تلك القاعة، وتجاوزت مجرد دراسات فكرية وخطط لتطوير الدول، فالخلفية تحرض على كيفية سرقة الجهود الثورية للشباب الثوري، وتغيير مسار الثورات التي تجتاح الشرق، والهدف الغائب هناك هو نشر الثقافة العروبية - السنية، والذي لا اعتراض عليه، فيما لو احتضن البعد الحضاري الديمقراطي في ذاته، وابتعدوا عن مفاهيم إلغاء الآخر المخالف أو المغاير، لكن التركيز على سيطرة الأنا العروبية في الدول التي أصبحت عربية بمطلقها في ظل الطغيان الثقافي العروبي التي اعتمدت عليها السلطات الشمولية للإبقاء على كيانها الدائم، جرد المؤتمر من الصفات الحضارية أو التعامل الإنساني مع الآخر، وأنعدم فيه مفهوم تلاقي الثقافات على رفاة أنانية نزعة الأنا الكلية، ورغم أنه لا يحق للفرد المطالبة بإشراك الآخر في مؤتمر مخصص للمفكرين العرب، لكن يحق للفرد من جهة أخرى مطالبة المحاضرين بعدم التحيز في دراسة التاريخ وطرحها من وجهة نظر أحادية الجانب.
الدول التي غيرت الثورات فيها العديد من المفاهيم وتكاد أن تأتي على الثقافات الشمولية السابقة، والتي بدأت تظهر فيها إلى حيز الحرية رغبات وأصوات الشعوب الأخرى غير العربية وأصبحت تنادي بالتعامل الديمقراطي في الوطن الواحد، منهم الكرد والأمازيغ والأقباط وغيرهم الذين كان وجودهم ملغياً في ظل الاستبداد، وبدأت تبان في الإعلام والمحافل الدولية راياتهم ومطالبهم بالمساواة وإعادة الحقوق التي كانت قد جردوا منها على مدى عقود وإن لم تكن قرون، فلم تلائم هذه الظاهرة شريحة واسعة من المفكرين العروبيين المبتغين الإبقاء على ثقافة الأنظمة الشمولية والاستمرارية على نفس الأساليب في التعامل مع الآخر، مع ضخ لمفاهيم عنصرية أخرى إليها، وكثيرا ما ظهرت مشاحنات بين قوى المعارضة من الطرفين، في أروقة المؤتمرات وفي الإعلام، فالمعارضة التي أصبحت تنتهج المفاهيم الذي من أجله عقد المؤتمر يصرون على إبقاء الأخر غير العربي- السني دونهم ويعتبرونهم موالين تابعين، وهذه هي الغاية التي كان التركيز عليه ضمن المؤتمر من قبل الذين حضروا له، وغايتهم الآنية منه خلق أو إيجاد مجموعة من هذه الشريحة الفكرية في الدول العربية، التي تتمكن من تغيير السلطات الشمولية مع الحفاظ على ثقافة الأنظمة السابقة، والبحث عن أفضل النماذج السياسية المذهبية لها، فكانت البداية بتفعيل هذا المفهوم ضمن المعارضة وإضفاء هذه الصبغة على الثورات وبشكل مكثف على الثورة السورية.
الفكرة واضحة كقاعدة لنشر ثقافة جديدة لقادم الدول الثورية، المفاهيم طرحها السيد عزمي بشارة من خلال أسئلته الشمولية الأولى التي بسطها في البداية كخطوط عريضة لجدول أعمال المؤتمر. هذا الأسلوب هو الذي عادة يتبع في السياسة، استخدمها العديد من إيديولوجيي الغرب وسخروا لها السياسيين والمفكرين والإعلام بكثافة،، ففي ضخ فكرة أو مفهوم ما ضمن المجتمع، يجب إحاطتها بجملة قضايا أخرى مهمة، وستليها دور التركيز السياسي والدعم الإعلامي والمالي للفكرة الرئيسة، وهذا ما حصل في (مؤتمر العرب وتركيا جدلية الحاضر ورهانات المستقبل) وبعده في السنتين اللتين لحقتاه، واليوم بدأ يظهر هذا المفهوم ويطغي وبشكل فاضح على المعارضة السورية، وفي تونس وليبيا ومصر انتقل الصراع إلى حواف أخرى بين هذا التيار الانتهازي وشرائح ثورية مدعومة من مجموعات أخرى مشوهة، والشريحة هي نفسها التي زعزعت بنيان الثورة السورية أمام السلطة الأسدية الشمولية، وهي التي تكونت من تلاقى العديد من البعثيين السنة من محاربي البعث القدامى والشخصيات المعارضة الدينية المعروفة والبعض من النخبة الوطنية التي شوهت في سجون النظام، واجتمعوا في حضور متقارب، ودمجوا المفهومين في بناء واحد، وتحت غطاء الثورة يصارعون معاً للاستيلاء على السلطة ولا يعيرون أي اهتمام للنظام الشمولي التي من أجل أسقاطه انبثقت الثورة وكسر الشباب الثوري السوري جدران رعب استبداد آل الأسد والمجموعة العلوية المحاطة به.
 

مؤتمر العرب وتركيا حضور لنشر ثقافة موبوءة 3/4

3-د. جمال باروت يشوه تاريخ غربي كردستان

استعملت السلطة الشمولية منطق القوة على إلغاء العلاقة التاريخية بين الكرد وجغرافية غرب كردستان، مقابل أحزاب سياسية كردية استخدموا طوال مسيرتهم الاستجداء في تحقيق العدالة والمساواة ضمن الوطن الواحد، تراكمت الانتقادات وردود فعل الكرد تجاه قضايا التعريب والقوانين الاستثنائية العنصرية التي قامت بها سلطتي البعث والأسد، وتكاثرت الدلائل والإثباتات التاريخية والعلمية على جدلية العلاقة الديموغرافية مع جغرافية المنطقة المستمدة من أعماق التاريخ، إلى حد أصبح الحديث في موضوع الحق وعدمه مملاً ومقرفاً، مع ذلك نعود هنا لنعيد نقد مفاهيم طرحت بمنهج مغاير مغلف بالديمقراطية والمنطق العلمي لكنها تنتهي في النهاية إلى ألغاء الوجود الكردي في غرب كردستان وعلى ما ستقدمه حكومة سوريا القادمة للكرد من حقوق المواطنة منة، وكتاب ( مسألة أكراد سورية ) يبين هذا النهج المتعالي والملغي للأخر بوضوح، وللأسف وقع في شركه أحد الكتاب الكرد، ومجدَه، وكتب فيه مقالة، بين عن مناقبه، وديمقراطية كاتبيه، دون العودة إلى الخلفية وما وراء المطروح، ولم يبحث في المؤتمر الذي حضْر لظهور هذا الكتاب.
نزعة الأنا العروبية والسنية شملت الكثيرين الذين شاركوا في المؤتمر ونسخوا الكتاب المذكور، وتبناها عدد من المفكرين والباحثين الذين حاضروا في المؤتمر بصيغة واضحة، كما تطرفوا البعض في كثيره، ومن بينهم الدكتور جمال باروت، الباحث المعروف الذي شارك ضمن كل أفعال البعث وسلطة الأسد في عمليات التعريب للمنطقة الكردية للقضاء على وجودها الديموغرافي، وهو من جملة المخططين في عمليات بناء المستوطنات النموذجية العربية في المنطقة الكردية عملياً، أثناء ما كانت تقوم به السلطة الشمولية في الستينات والسبعينات وما بعدها، كان الدكتور جمال باروت من المتخصصين المشاركين في تغطية المراسيم الرئاسية العنصرية والقوانين الاستثنائية بدراسات وتحليلات قومية، الملبسة بالوطنية، وشرع الكثير بما قامت به حكومة البعث والأسد أنذاك، وأوهم الدول المعنية بمبررات مضللة حول التعريب والتغيير الديمغرافي في غرب كردستان، وما قدمه في محاضرته ضمن المؤتمر كانت ضمن نفس السياق الفكري البعثي بكليته، علماً إنه ناقض نفسه في عدة محاور تاريخية، وكان على دراية تامة بما يقوم به، خاصة عند عرضه للهجرة الكردية من منطقة السيطرة العثمانية إلى المنطقة التي أفرزت مع جغرافية سوريا، متناسيا، وبنفس الطريقة التي اتبعها البعث على مدى عقود وشاركهم فيها شريحة واسعة من المثقفين العرب، أن تحركات الشعب الكردي بين اطراف كردستان سبقت الوجود الجغرافي السوري بقرون، فالدكتور يحاضر في أمثلة وشواهد تاريخية ضحلة ويسندها بوثائق هشة، مصادرها مطعونة في مصداقيتها العلمية التاريخية، أستخرجها من مكتبة البعث ومفهومه، فعلى سبيل المثال حاضراً لا الحصر التاريخي، عائلتي آل عباس المالكة لأراض وقرى على بعد عشرون كيلومتر شرق مدينة القامشلي، التي يقول الدكتور عن كلية المنطقة والتي ضمنها منطقتنا إنها لم تكن مسكونة قبل بداية القرن الماضي، يملكون مستندات تثبت على أننا نسكنها منذ اكثر من قرنين من الزمن، بقرى ثابتة كقرية (دوكر) والتي عمرها تزيد على ثلاثمائة سنة، ولدينا وثائق تاريخية وسندات تمليك تعود إلى نهاية القرن الثاني عشر الهجري للمنطقة والقرى التي تسكنها حاليا، وصورة من إحدى هذه السندات نشرت في كتاب ( أغا والشيخ والدولة) لمؤلفه الهولندي مارتن فان براونسن في نسخته الأولى، تثبت إن العائلة مع عائلات أخرى معروفة بعشائرها، أمثال حجي سليمانا وأل مرعي وأل اليوسف، وفي منطقة تل كوجر أل نايف باشا، وهناك عائلات معروفة تاريخها وسجلاتها في غرب قامشلو وحتى أطراف الرقة، وغيرهم كثيرون، وفي قرى كانت حينها عامرة في المنطقة، سكنوها عقود قبل تلك الوثائق، والقرى لم تكن مجاورة للحدود التي رسمت فيما بعد بين تركيا وفرنسا بشكل غير كامل في بداية العشرينات من القرن الماضي، والدكتور على دراية بكل هذا لكنه يفسرها ويحللها حسب متطلبات اتجاهه الفكري والبعد الثقافي الذي يتبناه، وبالمناسبة عرض والدي أبن الشهيد عباس عباس الذي ناهض الفرنسيين في عام 1923 واستشهد على يدهم وبخيانة تاريخية، تلك الوثائق على ديوان الرئيس حافظ الأسد عندما جردت عائلتنا من الجنسية السورية، ضمن حملة أجانب تركيا، وكان من ضمن المجردين رئيس أركان الجيش السوري توفيق نظام الدين الكردي، ولسبب ما طلب ديوان حافظ الأسد نسخ أصلية من سندات التمليك تلك، مع وثائق أخرى ضمنها رسالة رئيس سوريا الأول تاج الدين الحسيني للعائلة، كان يتضمن تقديرا لآل عباس وتعزية جدا متأخرة للشهيد عباس عباس. وللمعلومة فأنه هناك رؤساء عشائر تسكن حتى اللحظة في كردستان الشمالية تحتفظ بسندات تمليك صادرة في عهود سلاطين بني عثمان بعضها تعود إلى أكثر من ثلاثة قرون ولأراض تجاور جبال سنجار المعروفة بملكيتها لأصلاء الكرد الإيزيديين منذ فجر التاريخ، فقد كانت تلك الأراضي التي ألحقت بسوريا مرعى لمواشيهم ودوابهم بملكية خاصة، وهذه الوثائق التاريخية لا تزال موجودة عند العديد من العائلات الكبرى.
ما قدمه الدكتور في محاضرته كانت في كثيره مبنية على خطط محمد طلب هلال الصادرة في كراسه العنصري المعروف والذي كان في غاية السرية ضمن حلقات البعث آنذاك، مع إضفاء صبغة وطنية لمجارات الحاضر الثوري في سوريا، وكلها تبحث حول كيفية القضاء على الوجود الكردي في المنطقة، وهو الكراس نفسه والخطط ذاتها التي يعتمد عليها الدكتور جمال باروت في عرضه التاريخي الديمغرافي ضمن جغرافية سايكس بيكو الملغية أصلاً من الكل، ملغيا هنا كلية الجغرافية الكردستانية الواحدة، والديموغرافية المسكونة فيها، عارضا منطقه الذاتي المبني على ثقافة إلغاء الآخر والذي يبين على أن الكرد في غرب كردستان هم أجانب تركيا، متناسيا أن المنطقة هي غرب كردستان بكليتها وجزأت من كردستان الكبرى، والشعب في هذه الجغرافية هو المكون الذي لم يتغير إلا بعمليات التعريب المستمرة، وقد عرضت المثال السابق القريب كوثائق حاضرة لئلا نخوض في تاريخ شوه من قبل السلطات الشمولية المجزأة لكردستان، متناسيا وبدراية أن العلاقة بين جغرافية سوريا الحاضرة والمنطقة بكليتها يتعارضان من حيث بحثه في هجرة يضعها على طرفي حدود لم يكن لها وجود قبل بداية العشرينات من القرن الماضي، فالتحليل ملغي بمنطق أبعاد الهجرة وعدم وجود جغرافية محددة بل كانت الجغرافية في الخلافة العثمانية مرسومة كسنجقات كردستانية، تمتد حتى جبال سنجار، وتحركات العشائر الكردية ضمن الجزيرة منتشرة ما بين طوروس وسنجار بدون أن يكون هناك واقع دولة، وسوريا بحاضرها ظهرت بعد اتفاقية سايكس بيكو المرفوضة من الكل إلا من المثقف العروبي كأمثال الدكتور جمال باروت ومن يشاركونه في الثقافة وحسب اللحظة الانتهازية المتفاقمة خاصة عندما تظهر القضية الكردية والوجود الكردستاني على الساحة، وأخطاء الدكتور في عرض الثورات الكردية دلالة على التلاعب بإصرار وتخطيط في تاريخ المنطقة، وتناسيه ثورة الشيخ سعيد التي أدت إلى هجرة كردية معظمها شملت عائلات معروفة، لها خلفية سياسية وفكرية، يراد منها إلغاء الوجود الديموغرافي الكردي من جغرافيته، حتى عندما عادت بعض تلك العائلات إلى مسكنها بعد سنوات والبعض سكنوا الجزيرة، لم تكن عملية الانتقال أو الهجرة الآنية بين دولتين بقدر ما كان بين كردستان واحدة قسم سياسيا بين استعمارين للمنطقة، فهم كانوا يتحركون ضمن نفس المنطقة التي كانت لهم فيها أقارب ولم تكن تفصلهم حدود سياسية حتى القريب من التاريخ، إلا بعد التطبيق العملي لاتفاقية سايكس بيكو وما تبعها من اتفاقيات بين تركيا وفرنسا وبريطانيا، وليست كما يذكرها على أنها ظهرت على خلفية اتفاقية أنقرة الأولى أو الثانية، والتحضير لأمثلة مهزوزة لتاريخ كرد سوريا دلالة على تخطيط دقيق لتشويه الواقع الجغرافي الديمغرافي في المنطقة. وبالمناسبة فإن المغالطات المقصودة تصل إلى سوية لفظ كلمة (الكرد) فهو يلفظها بكسر الكاف لا بضمها، والنطق الخاطئ ظهر في بدايات سيطرة البعث من قبل شريحة للتقصد الهجائي، وانتشرت مع الثقافة الموبوءة التي ضخت بين المثقفين السوريين وبشكل خاص العرب منهم.


مؤتمر العرب وتركيا حضور لنشر ثقافة موبوءة 4/4

4- د. جمال باروت في عرضه لتاريخ ديمغرافية كرد غرب كردستان.

يموه الدكتور جمال باروت في محاضرته عدة قضايا ووقائع مهمة أخرى جرت في المنطقة الكردية، ويجانب المصداقية في العديد منها، رغم إنها قضايا جدلية في تاريخ الكرد بين سلطة الأسد – البعث الشمولية والشعب الكردي، وأصبحت بكليتها معروفة لكل مثقف ملم بالتاريخ الكردي وتعد اليوم من المسلمات التي لا تحتاج إلى تبيان أو شرح، لكن طرحها في مؤتمر على مستوى مؤتمر العرب وتركيا، وبحضور هذا الكم من المفكرين والباحثين، لها خلفيات فاضحة، ستؤذي مستقبل الشعب السوري في قادمه، وبعد زوال السلطة الحالية، ومن هذه المسلمات التي يحاور عليها الدكتور حسب وجهة نظر أحادية الجانب ومستمدة من ثقافة النظام الشمولي الأسدي- البعثي:
1- طرق الاستيلاء على أراضي الفلاحين الكرد وتمليكها لعائلات المستوطنين العرب، وبالمقابل نقل البعض من الفلاحين الكرد إلى خط العرض المطري دون 100 ملم.
2 - عملية بناء 42 مستوطنة نموذجية في المنطقة ذات الديموغرافية الكردية المطلقة والممتدة من رأس العين ( سري كانيه ) إلى مدينة ديركا حمكو في شمال وشرق سوريا، وعلى عمق لم يتجاوز خمس كيلومترات عن الحدود التركية، رغم أن الحزام العربي كان مخططاً لخمس عشرة كيلومتر عمقاً إلا أنهم تجاوزا في بعض الأماكن إلى أكثر من خمسة وثلاثين كيلومتراً، وهي من أخصب المناطق الزراعية في سوريا وكانت حتى ذلك الحين الوجود الكردي مطلقاً مع قرى كردية من الديانة المسيحية مثلهم مثل الأصلاء من الكرد الإيزيديين، وبعد بناء المستوطنات العربية بدأ تجريد الفلاحين الكرد من أراضيهم تحت حجة المكتومين أو الأجانب، والاستيلاء على أراضي الملاكين تحت حجة تحديد سقف الملكية، ومن المهم التذكير أن العرب الذين جلبوا إلى المستوطنات النموذجية تلك لم يكونوا كلهم مستقدمون من المنطقة التي غمرها مياه سد الفرات، وهذه معروفة للكل بسبب التعارف والتحاور ومعرفة موطن أغلب العائلات الموجودة في تلك المستوطنات.
3- والأغرب من كل ما سبق هي عملية تشويهه لحقائق بينة للجميع، كتعريب أسماء القرى والمدن الكردية، فأقرب مثال القرية التي ولدت فيها أسمها (نصران) وهو اسم له خلفية تاريخية، رغم إن ساكنيها مسلمون كلهم لكن أجدادنا لم يعترضوا على نوعية الاسم بل كانت مفخرة تاريخية، لعراقتها، وبعد عملية الاستيلاء على نصف أراضي العائلة ومن ضمنها أراضي هذه القرية وإعطائها للعائلات العربية التي جلبت في منتصف الثمانينات وبالضبط عام 1984، وهي الفترة التي لم تكن هناك شيء اسمه الغمر، أو فيضان مياه سد الفرات، غير الاسم مع عملية الاستيلاء وأطلق عليه أسم (منصورة) تيمناً باسم رئيس الأمن العسكري في القامشلي، نكاية بإصرار الوالد محمد عباس أبن الشهيد عباس عباس على رفض الاستيلاء والتعريب.
4- الأغرب في محاضرته، تطرقه إلى النسبة السكانية، وعدد الكرد إلى مجمل سكان سوريا، يطرحها وكأنه لم يسمع بنظرية مالتوس عن التزايد السكاني والمتوالية الهندسية، وهنا بالتأكيد ليست في صالح الكرد، لأن نسبة الأقلية تتناقص بعد عقود من الزمن، وهنا لا أود شرحها للقراء، لكن التلاعب الذي يقوم به الدكتور وبخبث، عندما يعرض الإحصائية الوهمية والتي ليس لها وجود، إحصائية عام 1985 وعدد الكرد في المنطقة، وتكرمه بإضافة الكرد الأجانب إليهم، وتناسيه الهجرات إلى الداخل السوري التي أتبعت مرحل الحزام العربي والحصار الاقتصادي للكرد، وما تبعها من مقارنات، وغايته النهائية أن يوهم العالم والمستمع على أن سوريا كانت تقوم بإحصائيات لشرائحها المتعددة، والإحصائية الوحيدة كانت في الثلاثينات من القرن العشرين بالضبط عام 1937 حينها كانت تحصر العدد في القرى المتواجدة فيها الكرد بشكل دائم، ولم تتضمن الذين كانوا ينتقلون بين مناطق كردستان بين فصلي الشتاء والصيف، وهي الإحصائية التي قام بها الفرنسيون، مع طغيان للتخمين عليها، والنسبة الكردية حينها تجاوزت 29% فقد كان يضم كرد جبل الأكراد والكرد في كل المدن السورية الكبرى.
في الواقع البعثي الكل ينعدم ضمن الجنسية العربية السورية، ولا وجود لذكر الكرد لا في الإحصائيات ولا حتى في السياق الكلام السياسي، وما ساقه من النسب والأعداد التي طرحها بعد جمع وطرح وتقسيم وعرض لمغالطات لم تكن بسوية باحث معروف حول عمليات تحديد النسب السكانية، أثناء المحاضرة، تشويه لذاكرة الشعب السوري، وخداع للمستمع، ونفاق على الهيئات الدولية المعنية بالأمر، وأي حديث أو طرح علمي سكاني حول نسبة الكرد في سوريا سيبقى في التخمينات، وسيتأرجح ما بين عشرين إلى الصفر "الباروتي" للكرد في سوريا، فبدون إحصائية دقيقة وبعد سنوات من حكم ديمقراطي وزوال الطاغية لا يمكن الحديث عن النسب السكانية، وما عرضه الدكتور جمال باروت كانت نابعة من الخلفية العروبية البعثية والثقافة العدمية، وإلغاء الأخر.
الخلافات بين الكرد والعرب أو الأخرين، الذين يحتلون كردستان، الوطن الذي لا يمكن إنكاره في عصر الوضوح هذا، لا تقف عند حدود الإلغاء أو إثبات الذات. فالقضايا العالقة بين الشعوب، لا تحل بنفي الآخر أو بالانتقاص من ماهيتهم أو تمييع جغرافيتهم أو تشويه تاريخهم وإذابة ديمغرافيتهم، فالبشرية بلغت أعتاب عصر يمكن التنقيب عن كل ما ذكر، وإيصال المعلومات إلى المحافل الدولية في اسطع حقائقها، فالبشرية تنتظر طفرات حضارية إنسانية يمكن على أعتابها العيش معاً في وطن يحتضن الكل دون إلغاء أو أن تعدم هناك مفاهيم الانتقاص من قيم الإنسان الأخر، أفضل الأخلاقيات هي عندما تبدأ الشريحة الفاعلة من ذاتها، وهي تدرك أن ما تقدمه إلى الواقع هو نفسها ما تريده من الأخر إن تفرشه لها من التقييم والاعتراف بكيانها، فإلغاء الآخر مهما كانت دونيته لا يأتي سوى برد فعل عكسي يجلب التشويه المقابل، فكل الشعوب لها صفحات مليئة بالسواد وفترات من التاريخ غارقة في الضحالات الفكرية والثقافية والأوبئة الأخلاقية، وبالمقابل تحمل النقاء والقيم المثالية، وعلى الشريحة المثقفة والواعية أن تبحث عن القيم التي يمكن عليها أن تتلاقى مع الأخر وتفتح تلك الأبواب معها لتولج إلى الضمير الإنساني، لتتفاعلا هناك الثقافات التي ستبنى عليها الحضارات، وتزدهر الأوطان التي سيعيش فيها كل الشعوب المتواجدة في الجغرافيات المتداخلة على مر العصور، فالغاية النهائية للإنسان السوي هو أن يعيش بأمان وسلام مع الآخر المغاير ويبحث عن حياة يشعر فيها الكل بالحرية والمساواة والاستقرار، وللأسف هذا ما لا يبتغيه بعض الباحثين المحاضرين في هذا المؤتمر والذين نشروا الكتاب المذكور سابقاً في الجزء الأول، وإنها تدل على التشوهات في نوعية الثقافة التي يتشربون منها، والدراية الواسعة والثقافة المتشعبة لا تشفع لهم ولا تمسح عنهم الأوبئة التي تلازم أفكارهم ومفاهيمهم.
المغالطات المقصودة في محاضرة الدكتور جمال باروت عكست الخلفية الفكرية التي اعتمد عليها عند طرحها، وتحليلاته لم تؤدي إلى البعد الوطني الذي أراده، فالتغطية على عملية التمييز العنصري وتشويه تاريخ المنطقة الحاضرة، تحت غطاء المعرفة المطلقة بتاريخها، لم تخفي أبعاد المفهوم الذي من أجله حضر أمثاله هذا المؤتمر العروبي-السني العنصري، فكان من بين المجموعة الذين كثفوا جهودهم للتركيز على إبراز النموذج الإسرائيلي في بناء الدولة القومية، والنموذج التركي لحزب العدالة والتنمية في الإسلام الليبرالي، لذلك كان بارعاً في تحويراته التاريخية لغرب كردستان، وكان مهماً جداً له أن يجانب الواقع والحقائق ويغير في التاريخ ويضعها حسب الثقافة التي نشرها البعث حينها، ولو بخلفية أكثر دراية ووعياً، وهي عملية ثقافية لإزالة الوجود الكردي من المنطقة وتقزيم دورهم السياسي في الثورة وفي سوريا القادمة.
أي عمليا نحن شهود على التحضير لبناء سوريا قادمة غارقة في المركزية السياسية بطغيان الثقافة العروبية – السنية، والملغية فيها كل الشرائح السورية الأخرى، وهم بهذا يقضون على أهداف الثورة السورية ويشوهون مفاهيمها، ويحورون التاريخ والديموغرافيا التي يتكون منها فسيفساء سوريا الوطن.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
 

مؤتمر العرب وتركيا حضور لنشر ثقافة موبوءة ...1/4

للاضطلاع على مقالات " د. محمود عباس لعام 2013
        شارك الخبر في صفحتك على فيسبوك

يمكنكم الاتصال بنا عبر هذا المايل  info@kurdistanabinxete.com

Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye  © جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي
 Kurdistana Binxetê كردستان سوريا    Kurdistan Syrien

 


لاضطلاع على مخاطر هذا المرسوم يرجى المتابعة