.

للمعرفة القبلة وأوقات الصلاة

 


 

 

.



مقالات "د. محمود عباس"




K.B.X..08.02.12

حضور إسرائيل في المعادلة السورية - الجزء الثاني


mamokurda@gmail.com

اليهود منذ البدء برزوا كحركة اقتصادية تسيطر بشكل غير مباشر على المنافذ الاقتصادية لكل امبراطورية أو دولة وجدوا فيها، وقد كان لهم سيطرة تامة على أوروبا قبل ظهور المانيا النازية، واليوم الحركة تمثل قوة رأسمالية عالمية تنتهج المنطق الديني وتعتمد على القوة الاقتصادية في السيطرة على المحافل الدولية، ركيزتها الاقتصاد للتحكم، والدين للتجمع، أما إسرائيل فقد ظهرت ككيان سياسي جغرافي عكست رغبة القوميين اليهود والسياسيين الذين كانت لهم نزعة قومية متأثرة بأمجاد الماضي الغارق في التاريخ الديني والسياسي، إنها دولة تعكس النزعة القومية – السياسية، علمانية، علاقتها بالدين واهنة.
كثيرا ما يظهر صراع فكري وسياسي بين الجهتين، رغم وجود دعم ما من القوة اليهودية الرأسمالية للدولة الإسرائيلية إلا أن الأغلبية منهم وبينهم حاخامات كبار يرون في إسرائيل كيان خاطئ النشوء والوجود، وأول مبرراتهم لها، بدونها لكانت سيطرتهم الاقتصادية العالمية أشمل وأوسع.
الذي يجمع هذين التيارين ضمن حلقة واحدة هي الحركة الصهيونية العالمية، والتي يتحكم بها مجموعات رأسمالية يهودية، يدمجون القوة الاقتصادية – الدينية مع النزعة القومية المتشددة – والاستراتيجية السياسية، يدعمون إسرائيل ككيان لا بد منه، والرأسماليون والقوة الدينية كحركة لا بد منها للسيطرة العالمية.
كثر التشهير بالصهيونية العالمية من قبل الأديان الأخرى وعلى رأسهم الحركات الإسلامية والدول العربية، لكنهم في الواقع يتبنون مبادئ لا تختلف في كثيره عن العنصرية العروبية التي تبناها حزب البعث والناصريين، إضافة إلى أن تعصبهم الديني لا يقل عن تعصب أحزاب اخوان المسلمين أو تياراتهم الراديكالية، ونحن هنا لا نقارنها مع التكفيريين أو الجهاديين، أياً كانت مهمة هذه الحركة، فهي معنية أن تخلق التقارب بين الجهتين وتحافظ على الدولة الاسرائيلية، علماً أن أغلبية الرأسمالية اليهودية العالمية ومعهم حركة من الحاخامات الكبار لا يتوانون على خلق حراك ما لتقويض الدولة الاسرائيلية بكيانها الحالي، وأي تقويض لإسرائيل سوف لن تكون بدون مساعدة هاتين القوتين، وهذا لا يعني إنهم يريدون تغييب الوجود اليهودي في المنطقة وتقزيم قوتهم، بل يسيسون السيطرة بالاسلوب الذي درجوا عليه على مر التاريخ، لا شك أن النزعتان موجودة لدى جميع شعوب العالم وحركاتهم القومية، وهما السيطرة الاقتصادية، والكيان السياسي المستقل. ولا أستبعد أن التعصب الحاصل فيهم، أغلبه متراكم على خلفية الحسد الخالق للكراهية للشعوب التي كانت تدين لهم بقواها الاقتصادية، وتتفتت تحت أبعادهم الفكرية الدينية، الشذوذات الفكرية و المفاهيم المغايرة تكثر لديهم حسب منطق الآخرين، لكن لكل شواذ خلفياتها، والسوداوية التي أظهروا بها على العالم مردها الصراعات الدينية والطغي الاقتصادي.
ابتعادهم شكليا عن الثورة السورية، احتراس سياسي تكتيكي وعن خبرة، وهذا لا يعني أنه ليس لهم دور في الصراع الجاري، ولا يمكن للقوى اليهودية الثلاث الذين لهم وجود مباشر في المنطقة، وتتأثر مصالحهم فيها سلباً أو إيجاباً، أن يكتفوا بالصمت حيال ما يجري، فهم قادة الحركات والقضايا العالمية من حيث خلقها أو وضع الحلول لها، إنهم يشكلون جزء من القضية بكليتها، وتدخلهم فيها حقيقة لا تخفى إلا عن الذين لا يريدون الرؤية أو وضع الحلول الصحيحة للمعادلة بشكل منطقي.
استطاعت الحكومات المسيطرة على البعد الشيعي أو المُسِيرة للتيارات التكفيرية بسياسة اخفاء الحقيقة، وطمس الواقع رهبة، الوصول الى تحقيق معظم أهدافها، وتمكنت من خداع الشعب، لكن إسرائيل بعكسهم صريحة وصادقة مع شعبها في كل علاقاتها الدولية، والحاضر السياسي الدبلوماسي بين معظم الدول الاسلامية والعربية وإسرائيل يؤكد هذه الحقيقة، كما وأن الخلافات الفظيعة التي تكاد تنعدم لها الحلول، بين الفلسطينيين والإسرائيليين هي من نتاج هذه السياسة الموبوءة، والصراع الجاري ضمن سوريا والذي لإسرائيل حضور مؤكد فيه، تمر من خلال هذه الأقنية السياسية ومعظمها تدخل في خانة دعم وجود بشار الأسد ونظامه، ولما لا! فهي دولة مجاورة ضمن المعادلات الدولية في المنطقة وخارجها، وتبحث عن الأنسب لكيانها. رغم ذلك فإسرائيل وبعد كل ما يشاع عنها أو تقوم بها للحفاظ على وجودها، ليست بأفسد من بشار الأسد وسلطته؟ ماذا كان سيحدث لو كانت إسرائيل أو حتى الصهيونية العالمية هي التي قامت بقتل ستين الفاً من الشعب مثل السلطة السورية، ومئات الآلاف من الجرحى، والملايين من النازحين والمهجرين قسراً، وقامت بتدمير أكثر من مليوني بيت سكني، وتهديم ربع البنى التحتية للوطن؟!.
ركز الاعلام العربي على الغارة الإسرائيلية الوحيدة خلال هذه الثورة، والتي استهدفت أكثر من موقع، أدمجها كل من النظام والمعارضة معاً بالصراع الجاري، فاتهمت السلطة الثورة من خلفياتها الفكرية الموبوءة وأساليبها الدعائية لتربط الثورة بأجندات العالم الخارجي، والمعارضة شددت على أنها عملية لجلب الانتباه الدولي إليها لتهميش الثورة، وكأنه حراك من أجل إطالة عمر بشار الأسد. لكن الواضح هو أن الدولة الاسرائيلية تهمها وجودها وكيانها الجغرافي والاقتصادي والديمغرافي، وستفعل كل ما تستطيع عليه للحد من ظهور أي تهديد لأمنها، أو تمرير خطة تهدف إلى ذلك، وهو حق طبيعي للكائن الإسرائيلي كدولة ذات سيادة، وكانت روسيا وأمريكا على علم بالعملية قبل حدوثها، وذلك دلالة على مدى اتفاق الطرفين على سلامة حدودها، والتي هي من أهم أحد اسباب استمرارية الثورة بدون نجاح كل هذه المدة.
لا شك أن العملية العسكرية التي كانت تجري بين حدود سوريا ولبنان حراك سوري أيراني مغرض لاستفزاز إسرائيل، ولا يهم أن كانت السياسة غرضها واضحة للحكومة الإسرائيلية، أو لم تكن بينة ( وهذه نستبعدها ) بل المهم انه هناك حراك عسكري ما يهدد حدودها مع لبنان أو سوريا، إن كانت فيها صواريخ روسية أو لم تكن، فإنها سوف لن تسمح لأي خدع سياسية تظهر بدون إرادتها، والرد السلبي من قبل السلطة السورية ومن أيران أو حزب الله تؤكد على أن العملية فيها خدعة سياسية أصبحت معروفة للجميع، حتى ولو لم تكن عملية نقل أسلحة سورية كيمائية أو أيرانية إلى حزب الله، لكن بالنسبة لاسرائيل الغايات لا تختلف، إنها عملية تشبه نوعية الحرب التي أثارتها أيران وسوريا في غزة، وادخالهما كتائب من حماس في معركة لم تكن لها داع، والتي لم تؤدي إلى أية نتائج إيجابية سياسية أو دبلوماسية بالنسبة للقضية الفلسطينية، بل أخرجت قافلة أخرى من الشهداء وامهات ثكالى ودمار إضافي لبيوت فقراء غزة.
تحتاج المعارضة السورية اليوم إلى استراتيجية مغايرة للتي تنتهجها راهناً، وذلك بتجاوز المزايدات الوطنية والقومية والدينية على حساب الثورة، عليها أن ترسخ التمسك بالمبادئ الديمقراطية ليس فقط داخل الوطن بعد زوال بشار الأسد، وعليها أن تتبرأ من التيارات السلفية والتكفيرية وخطبهم الدينية المتشددة، خاصة تلك الموجهة إلى الوجود الإسرائيلي، والدين اليهودي، بل وجميع الأديان والطوائف والقوميات الأخرى، لا بد من فرز هذه المجموعات التي غرزتها السلطة في جسم الثورة، والذين كانوا حتى الوقت القريب يتدربون في معسكرات على اطراف طرطوس، وهم الذين كانوا وراء الدمار الذي حصل في العراق ولبنان ومعظم دول الشرق الاوسط. يجب الاعتراف بالأعراف الدولية من المنطق الديمقراطي بعيداً عن ثقافة الإسلام السياسي، ومن المهم تحديد سياسة سوريا القادمة مع إسرائيل، على إنها دولة ذات كيان. والقضية الفلسطينية يجب أن تحل من خلال المحافل الدولية كالحفاظ على الوجود الفلسطيني وإقامة دولتهم إلى جانب الدولة الإسرائيلية.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
 
للاضطلاع على مقالات " د. محمود عباس لعام 2013
        شارك الخبر في صفحتك على فيسبوك

يمكنكم الاتصال بنا عبر هذا المايل  info@kurdistanabinxete.com

Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye  © جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي
 Kurdistana Binxetê كردستان سوريا    Kurdistan Syrien

 


لاضطلاع على مخاطر هذا المرسوم يرجى المتابعة