.

للمعرفة القبلة وأوقات الصلاة

 


 

 

.



مقالات "د. محمود عباس"




K.B.X..06.11.12

عتبات النقد عند الكرد


mamokurda@gmail.com

مدارس علم النقد، عرضها، طرق وأساليب استخدامها، إمكانية مقالة، قاصرة احتوائها، نحيد عنها لنبقي المجال مفتوحاً للباحثين، أعماق النت وسمائها رحب، فالعشرات من الكتب والأبحاث وبكل اللغات تنتظر زائراً متصفحاً. نخوض بمقالنا، مجالات النقد والرد بين القارئ والكاتب، الناقد والباحث، الصحفي والسياسي الكردي، ونمط عتبات التعامل على سطح المحيط المتلاطم، على بنية الواقع الثقافي والسياسي والاجتماعي، الذي يطغى على مجتمعنا بنواقصه وشح إيجابياته.
أغلبية الكتاب، لترقية أبحاثهم، في الواقع الأدبي المتطور ثقافيا، ينقبون عن النقاد الملمين لأبعاد الدراسات، يبتهجون، لظهورهم، ولتنويرهم الدروب المعتمة، وتبيان المطبات ضمن صفحاتهم المطروحة، ومثلهم السياسيون الصادقون مع قضيتهم وشعبهم، لا يرون الإعلام أو المثقف الناقد إلا صديقاً "مزعجاً" يناضل إلى جانبهم، لتصحيح المسار، وخوضهم في الرد عند الضرورة، يكون مبنيا على توضيح أو مقارنات لوجهات النظر، والبعدان: الثقافي والسياسي، المعتمدان عند الناقد والباحث أو الكاتب في المجتمع الحضاري، يندرجان لتقويم المعوج، لا يستثنى احتدام الصراع بينهم، وظهور الغايات الذاتية أو السياسية، لكن الموضوعية والوطنية تبقى الطاغية، عكسها في المجتمعات المتسلقة حاضراً درجات الثقافة الحضارية، كالشخصية الكردية، المنسلة من مستنقع آفة مفاهيم العدم الشمولي، حيث رواسب عقود من ثقافة الكمال الـ “أنا" طاغية، والوطنية تخدم "الذات" المسيطرة في معظم الأبعاد.
فالنقد كعلم للتطوير وتصحيح المسارات لم يندرج بعد بشكله المطلوب في الواقع الكردي، ملغي مجالاته دون المدح الكلي، محصوراً ضمن الوصف والتبهير، والخارج يكوى على صفائح التهجم أو يدرج في خانة هدم نضال الشعب، وهذه ابسطها. الكتاب والسياسيون المنتقدون يزركشون الردود لتقزيم النقد والناقد، ويشوهون أبعاد الكلمة، يغرقون النقد ضمن حقول ألغام الخيانة ويحيلونها إلى عداء لشخصية الكاتب أو الباحث أو الحراك السياسي، تبيان الأخطاء مرفوض، في أعرافهم، مُرة مذاق تصويب المسيرة الفكرية أو تنقية المطروح من الدراسة أو تعديلها، الباحث الكردي والسياسي يجدان ذاتهما مطلقان، لا يرون سوى الكمال في أراءهما وتكتيكهم، والاستراتيجية السياسية لا تقبل النقد عندهم، فلا شكوك في صواب مطلقه.
النت الكردي تعج بالأمثلة، بين الكتاب من النقاد أو الباحثين، بين المثقفين والسياسيين المستقلين والأحزاب، حول الصراعات الفكرية والثقافية التي جالت صفحات المواقع الكردية، فالعديد من هذه السجالات (جدلاً) لم تتعدى المقال الثاني، لتنهار السوية الأدبية أو الطرح السياسي، وتنجرف معظم حوارات النقد والرد، إلى الضحالة الفكرية والشخصنة في كثيره. الأغلبية انزلقت إلى متاهات التهجم الشخصي وإلصاق العيوب من كل الجوانب، واضمحلت القيمة الأدبية أو التقويم السياسي، وأصبحت العتبة الثقافية في خبر كان. بينهم أقلام لها حضور واسع، باستثناء القلة. مثل هذه الصراعات، التي ظهرت وبهرت بسوايتها السلبية القراء والمواقع وشريحة واسعة من المجتمع، دارت بين كتاب ذات انتماءات سياسية مختلفة، الكل أظهر المطلق في نقده وردوده، بينهم من غيروا الجهة السياسية، لكنهم ظلوا يستخدمون نفس النهج النقدي، وهي تبين على أن الخطأ الأكبر في ثقافة الناقد الحاضرة بين الكرد، قبل أن تكون في الجهة المنتقدة.
نبحث في طرف لا يزال غائباً عنها الحضارة، والعتبة الثقافية والفكرية، التي يقف عليها المثقف الكردي، والكاتب، والسياسي في محاوراتهم ونقاشاتهم الفكرية والسياسية، ومثلها الناقد الذي كثيراً ما يكون هو بذاته كاتب يحمل نفس النهج أمام النقد، ولا نعني هنا بمطلقها بل بشموليتها، ومدى تحرر المجتمع الكردي فكرياً من مخلفات السلطة الشمولية، والأفراد الملمين لهذه الحقيقة، ومعرفة الذات والموضوعية. فالحديث والكتابة نقدا أو رداً ناقداً، من ابسط الأمور، الصعوبة تكمن في تبنيها ذاتاً، وتقبلها عند الاحتدام، وممارستها على أرض الواقع الفعلي، ومدى قدرة الكاتب على تقبل النقد بالسوية الأدبية أو بالدبلوماسية الحضارية. الكتابة عنها لا تعكس المطلوب بقدر تذوقها. أقلام عديدة من الكرد يكتبون عن لملمة المثقفين لمصارعة الآفات جمعاً، ومواجهة الانتهازية الفكرية والسياسية كتلة، لكن الصراع الحقيقي يبدأ من الذات، والكاتب الذي ينقد نادراً ما يرى عتبة حضوره، فعند أول اصطدام مع قلم ناقد لطروحاته، تظهر الثورة، كيف وهو الموجه وصاحب الكلمة الرنانة القوية والملتفة حولها قراء يكون في فوهة النقد، وهنا تبرز الحقيقة الغائبة عنه. فرؤية الذات "صعبة" ووضع المرآة أمام الفرد أصعب، فكثيرا ما تكون النتيجة ظهور ثقافة العدم الفكري، ثقافة الأنا الكلية، المعصية عن الخطأ، ثقافة الطغيان، فالطاغية ليس فقط هو الذي يملك السلطة، الأغلبية من الكتاب والسياسيين الكرد طغاة في ذاتهم، والطغاة عادة لا يتحملون النقد في كليته.
بين هنا وهناك، عند عتبات الناقد والمنقود، تبين مدى تخلف ثقافة النقد عند أغلبية مثقفي الكرد الذين يتناولون القلم نقداً، ظهر ذلك جلياً في معظم ما تناولته أقلامنا من الأبحاث وطروحات لتقويم المعوج، رغم أن معظم كتابنا أو سياسيينا أو باحثينا يتناسون بأن النقد خدمة جليلة، والرد النقي الشفاف تعزز مكانتهم وتبهر قلمهم وتشهر بحثهم وتسهل مسيرتهم السياسية. لكن هذا لا يبرر انزياحات البعض من الكتاب وهم ينتحلون صفة الناقد لغاية الانتقاد أو التهجم، مبرزين الذات من خلالها قبل الموضوعية وعرض القضية، فالنسبة لهم حضورهم على الساحة من المهمات الأولى، وخاصة المنشغلين بالسياسة، يجاهدون في تبيان عيوب الحراك السياسي، بدونية الألفاظ، وشمولية النقد، وإبراز المطلق السلبي على حساب الإيجابية، ينخرون قدر المستطاع في الكلمة الثقافية أو الحراك السياسي، بأقوى التعابير سلبية، مع غياب طرح للبديل، وبمجمله تظهر خلفية غاية المتنقد من أجمالية النقد، وتضخيمها على حساب المصداقية، وكثيرا ما يبحث في الزوايا المعتمة لالتقاط المثير من الموضوع، ليكون الأبرز إلى الساحة هو وقلمه على حساب الحقيقة، إجمالاً ذاته هي الأولى، وهنا يختلف الكردي ناقداً أيا كان موضوعه، عن الناقد الحضاري، الذي يظهر عيوب ونواقص الفكرة وإبداعاتها ويبحث في الموضوع بتجرد، لغاية الحقيقة، وتصحيح المسار، والبعض من كتابنا يذكرون شخصهم اسماً ضمن السلبية المطروحة كتغطية، أو لإثارة ما حول ذاته، وهم أول من سيثورون عند رؤيتهم المرآة من قبل قلم ناقد آخر. لا شك وبدون مجاملة، المجتمع الثقافي الكردي يحوي قامات أدبية ناقدة على مستويات أوسع من المحيط الكردي بل ولها حضور مبهر في الوسط الضادي كله، لكنهم وللأسف يهملون من قبل الوسطين الثقافي والسياسي الكردي ولغايات ذاتية.
لا شك الإعلام في كليته منحاز على درجات، صادق أو مخادع مع المجتمع أو السياسي بسويات متنوعة، وفي كل العالم، والمجتمع يتأثر رغم تقييمه، لكن الأغلبية تملك القدرة على رؤية الصدق، وهي دلالة على أن مدارس النقد بكليتها وضمن الإعلام أيضاً لا تزال غير نزيهة في كله، والنقاد يقفون على عتبات متنوعة، يتميز عنهم الكرد بواقعهم النقدي الجاري، والمستمد من خلفية ماض مفروض قاتم، ولا يزالون حائمين حاضراً على سطح ثقافة متداخلة بين الطغيان والتحرر الفكري. رغم أن الخلفية تبرر في بعضه، لكن يترتب على الذين يحملون القلم لغاية النقد أن يستخدمها بتجرد وبنقاء، ويلغون الذات من تحليلهم، ولا ينزهون أعمالهم ونضالهم الفكري أو السياسي من المتاهات السلبية المطروحة، كاستثناء من المجتمع الكلي.
عتبة النقد الموجودة كردياً، مبررة في شكلها العام، وملغية في بقاء طغيانها ضمن الذات الحاضرة قبل الواقع المحاط. لا شك، سيطرة ثقافة عدم تقبل الآخر، والانا الكلية في المجتمع الكردي، نخرت في ماهية وجوده، وهشمت الكثير من قيمه الإنسانية المستمدة من حضارات عريقة. أرغم الشعب الكردي بمثقفيه وسياسييه وخواصه على تشرب نهج ثقافة السلطة الشمولية، والمؤذي فيه هو أن الكثيرين من أصحاب الأقلام نقداً لا يزالوا يستخدمونها عن قناعة، ومثلهم الباحثين والسياسيين والكتاب، يرفضون النقد بعنجهية ثقافة طغاة السلطة الشمولية، كما وأبدع شخصيات قيادية عديدة من ضمن الحراكين فيها وعن قصد، كاستراتيجية في التعامل مع الشعب والمنظمات والقوى السياسية الأخرى. فكلما كانت أطراف كردية نقية تحاول الاقتراب من بعضها، وتظهر الرغبة في تعرية هذه الآفة مع حامليها، كانت السلطة تقف لهم بالمرصاد، بذاتها وعن طريق مؤسساتها، بتعميم ثقافتها الموبوءة.
هاتين الشريحتين الكرديتين الثقافية والسياسية، رغم التناقض والتصارع في كل أبعاده، ضمن ذاتها أو بين بعضهما، كانتا الأكثر أهمية للسلطة، سلباً وإيجاباً، مقارنة بالشرائح السورية الأخرى، لذلك لم تتوانى من تكثيف جهودها للقضاء على ثقافته المتوارثة، فجاهدت السلطة طويلا وبتخطيط مركز على غرز البديل المتفسخ، فأظهرت نزعة الصراع بين القوى الكردية كواقع مستدام، مطلق في كثيره من حيث النظرة إلى الذات أو على رؤيته، ومفاهيمه، فأصبح الكردي لا يقبل الآخر إلا كما تريده ذاته، أو ما تمثله في بعضه، تشابكت هذه العلاقة، إلى درجة انعدام الحجة بين الطرفين لإقناع الأخر بوجهات النظر المعروضة، فلم يكن بداً من أن تندرج الأغلبية في خلق الصراع والتهجم في كل أبعاده، فكانت نتيجتها حوارات شاذة لا تمت إلى المنطق الإنساني الواعي لواقعه المعاش، ولا إلى حاضره الغارق تحت استعمار مارق طاغ، فأدت إلى خروج العديد من الكتاب والنقاد والسياسيين من منطق النقد المفتوح إلى النقد المغلق والشخصنة في معظمه. والحجج في هذا السياق من التعامل الثقافي السياسي متنوعة بين الناقد والمنقود، رغم تنوع وفروقات العتبات بينهما ونادراً ما تكون هناك اختلافات جوهرية.
التشرذم والتشتت في واقع الحراك الكردي السياسي والثقافي، انعكاس لما حملوه من ثقافة ومفاهيم موبوءة، وليست مبنية على استراتيجيات لتطوير مدارك المجتمع أو طرق الصراع مع المستعمر، أو مبنية على اختلافات في تكتيك لتوصيل الشعب إلى الهدف المطلوب وبدروب أصوب، لذلك كانت معظم المؤتمرات السياسية والثقافية وبالاً على الأحزاب والحراك الثقافي، أصبحت أغلبيتها مؤتمرات الانشقاقات أو الإعلان عنها، وكانت بعيدة جداً عن تجمع لفض الخلافات أو التنازلات الديمقراطية كقبول الأقلية بمبدأ الأغلبية، علماً بأن هذا المنطق كان ملغيا في كليته، لان الأغلبية كثيرا ما استخدمت لغة السيطرة والاستبداد الفكري وابتعدت عن ثقافة التحليل والقبول بالجزء أو الإبقاء على المنطق النسبي في الخطأ أو الصواب، ففي كل الحالات كانت عمليات الانشقاق، مبنية على عدم تقبل الكل لمبدأ النقد والتحليل، ومنطق الاستماع إلى وجهة نظر الآخر، في معظمه أنتقل الخلاف في الجهتين إلى تخوين وتهجمات كثيرا ما تناولوا الشخصيات في ذاتهم، ولم يتمكنوا من التجول في الخلافات الفكرية، أو الاستراتيجية إذا كانت لها حضور أصلاً، والحاضر السياسي - الثقافي المأزوم في غرب كردستان يسطع بشكل جلي ما نبحث فيه.

د. محمود عباس
الولايات المتحدة الأمريكية
mamokurda@gmail.com
 
للاضطلاع على مقالات " د. محمود عباس لعام 2013
        شارك الخبر في صفحتك على فيسبوك

يمكنكم الاتصال بنا عبر هذا المايل  info@kurdistanabinxete.com

Çapkirin ji Hiqûqê Kurdistanabinxeteye  © جميع حقوق الطبع محفوظة لدى كردستانا بنخَتي
 Kurdistana Binxetê كردستان سوريا    Kurdistan Syrien

 


لاضطلاع على مخاطر هذا المرسوم يرجى المتابعة